DONATE

Selasa, 26 Ogos 2008

Usul Fiqh: Al-Istihsan

1.0 المقدمة
إن الإسلام دين متين. لايعرف الفوضى في تشريعاته, له أسس ومبادئ تبنى عليه تكاليفه, وله أصول يعتمد عليها في إستنباط الأحكام, أطلق عليها العلماء "أدلة" أو "حجحاً". وهذه الأسس والمبادئ منها ما هي متفق عليها عند جمهور العلماء في كونها حجّة أو دليلا في أحكام الشرعية, وهي القرأن والسنة والإجماع والقياس. ومنها ما هي مختلف في إعتبارها بحيث جعلها البعض حجة أو دليلا ويعملون بها في إثبات الأحكام, وتركها البعض الآخر ولم يعملوا بها, وهي فتوى الصحابي والمصلحة المرسلة والإستحسان والاستصحاب والعرف وشرع من قبلنا وغيرها. وسيكون الأخير موضوع حديثنا في هذا البحث البسيط إن شاء الله تعالى.

2.0 تعريف الإستحسان في الغة و الاصطلاح
2.1 الإستحسان في لغة

قال دكتور عبدالكريم زيدان الاستحسان في اللغة هو عدّ الشيء حسنا, و يطلق أيضا علي ما يهواه الإنسان, و يميل إليه وإن كان مستقبحا عند غيره. وعند عبدالجليل القرنشاوى يقول الإستحسان في اللغة هو عد الشيء حسناً سواء كان حسيا أو معنويا. وعند السرخسي عرفه الإستحسان في لغة هو طلب الأحسن للاتّباع الذي هو مأمور به. وقال دكتور وهبة الزحيلى إن الإستحسان في لغة هو عدّ الشيء واعتقاده حسناً.

2.2 الإستحسان في الإصطلاح

عرف بتعاريف كثيرة منها ما قاله البزدوي : الإستحسان هو العدل عن موجب قياس أقوي منه, أو هو تخصيص قياس بدليل أقوا منه. وقال الفقيه الحلواني الحنفي : الاستحسان هو ترك القياس لدليل أقوا منه من كتاب أو سنة أو إجماع. وعرفه الامام الكرخي الحنفي بقوله : الاستحسان هو أن يعدل الإنسان عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائر ها إلاخلافه, لوجه أقوى يقتضي العدول عن الآول. وقال السرخسى الحنفي: الإستحسان في خقيقته هو قياسان. الأول قياس جلي الذي ضعف أثره في تجد مقاصد حكم الشريعة, والثاني قياس خفى هو قياس الذي يخفى علّته ولكن تجد أثره إلى مقاصد الشريعة. والإستحسان المحكي عن أبي حنيفة هو: الحكم بما يستحسنه من غير دليل.

وعرف ابن العربي المالكي : الاستحسان هو إيثار ترك مقتضي الدليل عن طريق الاستثناء والترخص لمعارضة ما يعارضه في بعض مقتضياته. وعرف بعض الحنابلة بقوله : الاستحسان هو العدول بحكم المسألة عن نظا ير ها لديل شرعي خاص. وعرفه الشاطبى بقوله : (وهو في مذهب مالك الأخذ بمصلحة جزئية فى مقابلة دليل كلى) ومقتضاه الرجوع إلى تقديم الإستدلال المرسل على قياس. وعرفه ابن رشد فقال: الإستحسان الذي يكثر استعماله حتى يكون أعم من القياس يؤدى إلى غلو فى الحكم ومبالغة فيه فعدل عنه فى بعض المواضع لمعنى يؤثر فى الحكم يختص به ذلك الموضع. وقال الإمام مالك: الإستحسان هو العمل بأقوى الدليلين أو الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي. وقال الآمدي: الإستحسان معناه هو الرجوع عن حكم دليل خاص إلى مقابلة بدليل طارئ عليه أقوى منه من النص أو إجماع أو غيره.

وعند دكتور عبدالكريم زيدن ينقل يستفاد من المجموع هذه التعاريف أن المقصود الإستحسان هو ردّ العدول عن القياس جلي إلى قياس الخفي, أو استثنأ مسألة جزئية من أصلى كلى, لدليل تطمئن إليه نفس المجتهد يقتضي هذا الإستثناء أو ذاك العدل. وزيادة على ذلك, عند بدران أبو العينين بدران يقول هذه التعريفات تشير إلي أن الإستحسان يطلق بأحد إطلاقين :

الأول : أنه قياس خفيف علته لبعدها عن الذهن في مقابلة قياس ظهرت علته لتبادرها إليه.

الثاني : استثناء مسألة جزيْة من أصل كلي دليلا كان أو قاعدة. لدليل خاص يقتضي هذا الإستثناء من نص أو إجماع أو ضرورة أو عرف أو مصلحة أو غير ذلك.

وايضاح ذلك : بالنسبة إلي الإطلاق الآول أن من بين المسائل والحوادث ما لم يرد بحكمة نص ولا إجماع وإذا أريد قياسة علي ما ورد النص والإجماع بحكمة نجد أن له شبهين بأصلين مختلفي الحكم. ليس علي درجة واحدة من حيث ظهور العلة وخفايْها. فإحداهما قريبة إلي الذهن والآخرا بعيدة عنه. فإذا ألحقنا وعدينا بناء علي الشبه القريب كان هذا قياسا جليا. أما إذا عدينا بناء علي الشه الخقي البعيد لدليل رجح ذلك, كان هذا العدول إستحسانا. ويسمي الحكم الثاني به حكما مستحسنا وثابتا علي خلاف القياس.

مثال ذلك : حق المرور بالنسبة لوقف الآراضي الزراعية. تنازعة نظران محتلفان. أحدهما ظاهر وهو قياس وقف الآرض علي بيعها بجامع أن كلامنهما يخرج العين عن ملك صاحبها. وحيث كان حق المرور في بيع الآرض الزراعية لا يتبعها إلا بالنص عليه العقد. كان وقفها لا يتبعها حق المرور إلا بالنص- وثاني النظرين خفي وهو قياس وقف الآرض الزراعية علي إجارتها بجامع أن كلامنهما يفيد ملك الانتفاع بالعين. ولما كانت الآرض الزراعية إدا أجرت يدخل حق المرور تبعا. كان وقفها يدخل فيه حق المرور- فهذا النظران المختلفان. أحدهما ظاهر, والآخر خفي. ولكن المجتهد عدل عن القياس علي الظاهر إلي الخفي لما ترجع لديه من أن المقصود من الوقف انتفاع الموقف عليهم, ولا يكون الانتفاع بالآرض إلا بحق المرور, فهذا حكم بدخول حق المرو في وقف الآرض الزراعية ويكون هذا العدول عن عدم دخول المرور هو الإستحسان.

أما بانسبة للإطلاق الثاني : فإذا عرضت حادثة للمجتهد تندرج تحت دليل من الآدلة الشرعية العامة أو قاعدة من القواعد الكلية. إلا أنه وجد دليل خاص بها من نص أو إجماع اقتضي استسناءها وإعطايْها حكما مخلفا للحكم العام أو القاعدة الكلية كان عدولا عن الحكم في هذه المسألة بمثل حكم نظايْرها المندرجة تحت الدليل العام أو القاعدة ألي حكم أخر نظرا للدليل الخاص الذي وجدة المجتهد هو الإستحسان.

مثال ما اندرج تحت دليل من أدلة الشرع العامة. و ورد النص بجكمة المخالف. السلم : وهو بيع شيْ مؤجل موصوف في الذمة بثمن عاجل فهذا بيع منهي عنه لكونه مندرجا تحت النهي الوارد في قوله صلي الله عليه وسام (( لا تبع ما ليس عندك )) ونقتضي هذا الندرج أن عقد السلم لا يجوزلآنه بيع معدوم. لكن ورد نص هو قوله عليه السلام (( من أسلف فليسلف في كيل نعلوم إلي أجل معلوم )) وبمقتضاه عدل المجتهد عن عدم جواز السلم إلي جوازه مستثنيا له من حكم الدليل العام بسبب النص الوارد. فعدول المجتهد هذا يسمي الإستحسان.

ومثال ذلك ما اندرج تحت قاعدة من قواعد الشرع و ورد النص باستثنايْه. الآكل ناسيا في رمضان فإن مقتضي القاعدة المقررة أن الصوم يفسد بفساد ركنه. اغني أن الامساك عن المفطرات وهو ركن الصوم يفوت بالآكل الإمساك لا يبقي معه. لكن الآكل مع ت النسان في رمضان غير مفسد للصوم استثناء من القاعدة العامة بسب النص الوارد عن النبي صلي الله عليه وسبم (( من أكل أو شرب ناسيا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه بهذا الدليل عدل المجتهد عن القاعدة العامة وهي فساد الصوم بالآكل نسيانا إلي عدم فساده. وهذا العدول هو الإستحسان.

وبالإضافة على ذلك, مثال الإستحسان أيضاً الذى هو من نص حديث البخارى عن عائشة في حديث الهجرة قالت: ( إستأجر النبي صلى الله عليه والسلام وأبو بكر رجلا من بني العديل). اي ليدلها على طريق المدينة حين خرجا من غار ثور, وأية (فإن أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهنّ). فهذان النصان يدلان على مشروعيته الإجارة وعلى صحتها. ولكن القياس الظاهر يدل على عدم مشروعيتها وعلى بطلانها. لعدم وجود المعقود عليه-وهو المنفعة- وقت العقد قياساً على بيع المعدوم الباطل بالإجماع وبحديث الترميذي الحسن الصحيح عن النبي صلى الله عليه والسلام : (لا تبع ما ليس عندك).

3.0 أنواع الإستحسان

الإستحسان قد يكون استثناء جزئياً من أصل كلى, أو ترجيح قياس خفي على قياس جلي كما مثلنا, وهذه قسمة الإستحسان وأنواعه بالنظر إلى ما عدل عنه, وما عدل إليه. وقد ينظر إلى الإستحسان من جهة مستنده أي دليله أو ما يعتبر عنه في الكتب الفقهية بوجه الإستحسان. فيتنوع عند العلماء إلى الأنواع التالية:
3.1 الإستحسان بالنص

اما من القرآن الكريم أو السنة المطهرة, ومعناه أن يرد نص في مسألة يتضمن حكما بخلاف الحكم كلى الثابت بالدليل العام. وقد قال الغزالي عن هذا النوع: وهذا بما لا ينكر, وإنما يرجع الإستنكار إلى اللفظ, وتخصيص هذا النوع من الدليل بتسميته استحساناً من بين سائر الادلة.

الإستحسان بالنص أي ما كان مستنده بالنص: هو أن يرد من الشارع نص خاص في جزئية يقتضي حكماً لها على خلاف الحكم الثابت لنظائرها بمقتضي القواعد العامة. فالنص يستثني هذه الجزئية من الحكم الثابت لنظائرها يمقتضي الكلى. فالقاعدة العامة, والأصل الكلى, يقضيان ببطلان بيع المعدوم, ولكن إستثنى السلم : وهو بيع ما ليس عند الإنسان وقت العقد, بنص خاص وهو ما ورى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"من أسلف منكم فليسلف في كيل معلوم ووزن المعلوم إلى أجل معلوم"

ومثله أيضاً خيار الشرط, فقد جاز إستحساناً لورود النص في السنة بجوازه إلى ثلاثة أيام, استثناء من الأصل الكلى في العقود القاضى بلزومها.

وقال الأستاذ دكتور عبدالكريم بن علي النملة أن الاستحسان بالنص ، وهو : العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالكتاب أو السنة . مثاله : أن القياس لا يجوِّز العرايا ، لأنه يبع تمر برطب وهو داخل تحت النهي عن بيع المزابنة ، ولكن عدلنا عن هذا الحكم إلى حكم آخر ، وهو الجواز لدليل ثبت بالسنة وهو قول الراوي : "ورخص بالعرايا" ، فتركنا القياس لهذا الخبر استحساناً .

مثال الإستحسان بالقرأن: الوصية فإن مقتضي القياس عدم جوازها لأنها تمليك مضاف إلى زمن زوال الملكية وهو ما بعد الموت, الا أنها استثنيت من تلك القاعدة العامة بقوله تعالى: (من بعد وصية يوصى بها أو دين). ومثاله قول الرجل: مالي صدقة, أو الله عليّ أن أتصدق بمالي, فإن مقتضي القياس أن بتصدق بكل ماله, ولكن الإستحسان يقضي بأن يراد منه مال الزكاة لقوله تعالى: ( خذ من أموالهم صدقة).

ومثال الاستحسان بالسنة: الحكم ببف الصيام مع الأكل أو الشرب ناسياً, فمقتضي القياس أي القاعدة العامة فساد الصوم لعدم الامساك عن الطعام, ولكن استثنى ذلك بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (من أكل أو شرب ناسياً فلا يفطر, فإنما حو رزق رزقه الله) وفي الرواية: (ومن نسي وهو صائم, فأكل أو شرب فليتم صومه. فإنما أطعمه الله وسقاه).

وقد مثل المالكية للإستحسان وهو في الرواية عندهم: العمل بأقوى الدليلين بجواز بيع العرايا لما فيه من الرفق ورفع الخرج, فإن مقتضي القياس عدم جوازه لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع كل الرطب من حب أو تمر بيابسه, الا أنه أجيز بالنص وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا أن تباع بخرصها كيلا. وقد خالف الحنفية في ذلك وقصروا العربة على الهبة.

3.2 الإستحسان بالإجماع

الاستحسان بالإجماع ، وهو : العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالإجماع. عند دكتور وهبة الزحيلى يقول: إن الإستحسان بالإجماع وهو أن يفتى المجتهدون في مسألة على خلاف الأصل في أمثالها, أو أن يسكتوا على فعل الناس دون انكار, كعقد الإستصناع, فهو جائز إستحساناً, والقياس عدم جوازه لأنه عقد على معدوم. وإنما جاز إستثناء من قاعدة العامة, ووجه الإستحسان جريان التعامل به بين الناس دون إنكار من أحد فكان إجماعاً. ومثله أيضاً : دخول الحمامات بأجر معلوم, فالقاعدة العامة تقضى بفاسده لجهالة ما يستهلكه الداخل من الماء, وجهالة المدة التي يمكثها في الحمام. ولكنه جائز استثناء من القاعدة العامة استحساناً لجريان العرف به دون إنكار من أحد دفعاً للحرج عن الناس فكان إجماعاً.

3.3 إستحسان سنده العرف

الاستحسان بالعرف والعادة ، وهو : العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم آخر يخالفه ؛ نظراً لجريان العرف بذلك ، وعملاً بما اعتاده الناس. كجواز وقف المنقول استقلالا عن العقار عند محمد بن الحسن الذي جري العرف بوقفه : كالكتب, و الاواني, و نحوها علي رأي بعض الفقهاء. فمقتضي القياس عدم جوازه لأن المنقولات على شرف الهلاك.ولكن استثناء من الأصل العام في الوقف, وهو أن يكون الوقف مؤبدا, فلا يصح إلا في العقار لا في المنقول, ولكن إنما جاز وقف ما ذكرنا من المنقول لجريان العرف به.

مثاله أيضا : لو حلف شخص وقال : "والله لا أدخل بيتاً" ، فالقياس يقتضي :أنه يحنث إذا دخل المسجد ؛ لأنه يسمى بيتاً لغة ، ولكن عدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر ، وهو : عدم حنثه إذا دخل المسجد ؛ لتعارف الناس على عدم إطلاق هذا اللفظ على المسجد . وزيادة على ذلك, مثاله أيضاً كإجارة الحمام بأجرة معينة دون تحديد لقدر الماء المستعمل في الإستحمام, ومدة الاقامة في الحمام, فإن القياس يقضي بعدم الجواز لأن عقد الإجارة يقضي بتقدير الماء وغيره, وهو العلم بالمعقود عليه علما يمنع من المنازعة, فلا يصح العقد على مجهول, والجهالة تفسد العقد. ولكن الإستحسان يقضي بخلاف ذلك إعتماداً على العرف الجاري في كل زمان بترك بيان المنفعة منعا للمضايقة منه ورعاية لحاجة الناس اليه.

3.4 إستحسان بالضررة

قال دكتور وهبة الزحيلي في كتابه الوسيط في أصول الفقه أن إستحسان بالضررة هو أن تجد ضرورة تحمل المجتهد على ترك القياس والأخذ بمقتضي الضرورة أو الحاجة. مثل تطهير الآبار والأحواض التي تقع فيها نجاسة, فمقتضي القياس أنه لا يمكن تطهيرها بنزح الماء كله أو بعضه لأن نزح بعض الماء الموجود في البئر وجدرانه, والدلو تتنجس أيضاً بملاقاة الماء, فلا تزال تعود وهي نجسة إلا أنهم استحسنوا ترك العمل بموجب القياس, فحكموا بالطهارة بنزح مقدار من الماء للضرورة المحوجة إليها.

الاستحسان بالضرورة ، وهو : العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم آخر مخالف له ضرورة. ومثاله العفو عن رشاش البول, والغبن اليسير في المعاملات لعدم إمكان التحرز منه. ومنه أيضا تطير الآبار التي تقع فيها النجاسة بنزع قدر معين من الماء منها, إستحسان للضرورة, ودفعا للحرج عن الناس.

مثاله : جوازه الشهادة في النكاح والدخول ، فالقياس يقتضي عدم جواز الشهادة في النكاح والدخول ؛ لأن الشهادة مشتقة من المشاهدة وذلك بالعلم ، ولم يحصل في هذه الأمور ، لكن عُدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر ، وهو : جواز الشهادة في النكاح والدخول ضرورة ؛ لأنه لو لم تقبل فيها الشهادة بالتسامح لأدى إلى الحرج وتعطيل الأحكام .


3.5 إستحسان بالمصلحة

وهو داخل تحت الصورة الثانية التي ذكرناها قي التعريف الإستحسان الذى انتهينا اليه. ومثاله: صحة وصية المحجور عليه لسفه في سبيل الخير. فإن مقتضى القياس أي القاعدة الكلية عدم صحة تبرعات المحجور عليه, لأن فيها تبديداً لأمواله, ولكن الإستحسان يقضى بجواز تبرعاته في سبيل الخير, لأن المقصود من الحجر هو المحافظة على مال المحجور عليه وعدم ضياعه حتى لا يكون عالة على غيره. والوصية في سبيل الخير لاتعارض هذا المقصود لأنها لا تفيد الملك إلا بعد وفاة المحجور عليه, فاستثنيت الوصية من الأصل العام لمصلحة جزئية: وهي تحصيله الثواب وجلب الخير له مع عدم الاضرار به في حياته, وهذا هو الإستحسان.

ومثاله أيضا : تضمين الأجير المشترك ما يحلك عنده من أمتعة الناس, إلا إذا كان الهلاك بقوة قاهرة لا يمكن دفعها أو التحرز منها, مع أن الأصل العام يقضي بعدم تضمينة إلا بالتعدي أو بااتقصير لأنه أمين. ولكن أفتي كثير من الفقهاء بوجوب الضمان عليه إستحسانا, رعاية لمصلحة الناس بالمحافظة علي أموالهم نظرا لخراب الذمم وشيوع الخيانة وضعف الوازع الديني.

وقد مثل المالكية للاستحسان وهو في رواية عنهم: الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلى- بأمثلة كثيرة, منها القرض: فإنه ربا في الاصل لأنه الدرهم بالدرهم إلى أجل, ولكنه أبيح لما فيه من المرفقة والتوسعة على المحتاجين بحيث لو بقي على أصل المنع لكان فيه ضيق على المكلفين. ومنها الاطلاع على العورات في التداوي أبيح على خلاف الدليل العام الذى يوجب مفسدة وضرراً. ومثله: الجمع بين المغرب والعشاء للمطر, وجمع المسافر, وقصر الصلاة والفطر في السفر طويل, والصلاة الخوف وسائر الرخص, فإن حقيقتها ترجع إلى مراعاة المصلحة أو درء المفسدة في مقابلة الدليل العام الذى يقتضي المنع.

3.6 إستحسان بالقياس الخفي

الاستحسان بالقياس الخفي ، وهو : العدول عن حكم القياس الظاهر المتبادر فيها إلى حكم آخر بقياس آخر ، وهو : أدق وأخفى من الأول ، لكنه أقوى حجة، وأسدّ نظراً وأصح استنتاجاً منه. وقد مثلنا له بوقف الأرض الزراعية دون النص علي حقوثها الارتفاقية. ومثاله أيضا : الحكم بطهارة سؤر سباع الطير. فالقياس الجلي – وهو قياسة علي سؤر الآدمي, لإنها تشرب بمناقيرها وهي عظام طاهرة, وهذا قياس خفي, فكان الحكم به إستحسان.

وبتخقيق ذلك في كل صورة فيها قياسان: قياس جلي لظهور العلة فيه, وقياس خفي لخفاء العلة فيه. ومثاله أيضاً وقف الاراضي الزراعة فيه قياسان: قياس جلي: وهو أن الوقف يشبه البيع في أن كلامنهما يتضمن اخراج العين عن ملك صاحبها, فلا يدخل في الوقف حقوق الشرب والمسيل والطريق أي حق المرور في الوقف, إلا بالنص عليها من الواقف كما في البيع. وقياس خفي: وهو أن الوقف يشبه الإجارة في أفادة كل منهما مجرد الإنتفاع بالعين, ومقتضى هذا أن تدخل حقوق الشرب والطريق والمسيل في الوقف. ولو لم ينص الواقف عليها كما في الإجارة فيرجح المجتهد القياس الثاني على القياس الأول لأن المقصود من الوقف هو مجرد الإنتفاع وهو لا يمكن الا بأن يدخل الشرب والمسيل والطريق في وقف الأرض دون نص عليها, وهذا هو الإستحسان.

3.7 إستحسان سنده رفع الحرج

ينقسم استحسن عند المالكية فقط في هذا النوع وهو إستحسان سنده رفع الحرج. يستعمل هذا النوع في مسألة معاملة والعبادة للإزالة المشقة. يساوى هذا النوع ايضا مع استحسان بالمصلحة.


4.0 حجية إستحسان
أشرنا في بيان حقيقة الإستحسان إلى أنه ليس هناك استحسان مختلف فيه كما قال جماعة المحققين, ولكننا قبل أن نصل إلى الخلاصة نريد تفصيل الكلام على أدلة القائلين بالإستحسان والمانعين:

4.1 الفقهاء لا يحتجون به

وأنكره جمهور العلماء ومنهم الشافعي والظاهرية والمعتزلة وعلماء الشيعة قاطبة. وأنكره فريق من المجتهدين الإستحسان واعتبروه استنباطا للأحكام الشرعية بالهوى والتلذذ وعلى رأس , وأنكره بعضهم كالشافعية, حتي نقل عن الإمام الشافعي أنه قال : إستحسان تلذذ وقول بالهوى. وقال : ( من استحسن فقد شرع) أي ابتداء من عنده شرعا. وقرر في رسالته الأصولية أن مثل من استحسان حكما سئل من اتجه في الصلاة إلى جهة استحسان أنها الكعبة من غير أن يقوم له دليل من الأدلة التى أقامها الشارع لتعيين الاتجاه إلى الكعبة. وقرر فيها أيضا أن الإستحسان تلذذ ولو الأخذ بالإستحسان فى الدين لجاز ذلك لأهل العقول من غير أهل العلم. ولجاز أن يشرع فى الدين في كل باب وأن يخرج كل أحد لنفسه شرعا. بل عند الإمام الشافعى يقول: ( ليس لأحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول بالإستدلال ولا يقول بما استحسن شيء يحدّثه لا على مثال سبق).

وقال الرويانى: معناه أنه ينصب من جهة نفسه شرعاً غير الشرع, وقد خصص الشافعي فصلا من كتاب الأم لإبطال الإستحسان وقال: الإستحسان باطل. وقال ابن حزم: الحق حق وإن استقبحه الناس, والباطل باطل وان استحسنه الناس, فصح أن الإستحسان شهوة والتباع للهوى وضلال, وبالله تعالى نعوذ من الحذلان. واستدل القائلون بالاستحسان بالأدلة:
الاول – بأن الله سبحانه شرع لكل حادثه حكما, و بين بعض الأحكام في الكتاب أو السنة, و أرشد إلي ما يجب اتباعة فيمالا نص فيه بقوله تعالي (( أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيْ فرد إلي الله و رسول )) وهو القياس. فليس للمسلم فيما ورد نص بحكمه إلا اتباعه. و ليس فيما لم يرد النص بحكمه إلا أن يطلب ذلك باالقياس الذي أرشد إليه القران. و من باب أولي ليس له أن يعدل عن الحكم الذي يقتضيه النص أو القياس إلي حكم يقول أنه إستحسان, لأن في هذا تقديم الحكم الرأي علي حكم الشرع.

الثاني- أن الاستحسان لا ضابط له ولا معيار حتي يمكن أن يعرف به ما هو الحق من الباطل فلو اعتمدنا عليه كدليلي شرعي لاختلف الأحكام في المسألة الواحدة.
الثالث- أن رسولالله صلي الله عليه وسلم استنكر علي أصحابه فتواههم باستحسانهم كما لم يرد عنه عليه السلام استعمال الاستحسان في حادثه من الحوادث. فكان إذا استفتاه أصحابه لا يفتيهم باستحسانه انما كان ينتظر الوحي من ربه. و كفي الرسول قدوة.
الرابع- الاستحسان أساسه العقل, و فيه يستوي العالم والجاهل, فلو جاز لأحد الاستحسان لجاز لكل إنسان أن بشرعي لنفسه شرعا جديدا.

4.2 الفقهاء يحتجون بالإستحسان

اشتهر الحنفية بالأخذ بالإستحسان, حتى إن القارئ في كتبهم كثيرا ما يجد هذه العبارة: الحكم في هذه المسألة قياسا كذا, واستحساناً كذا, وقد اعتبروه دليلا خامساً في الشرع يترك به مقتضى القياس لأنه أحد نوعى القياس, فهو قياس خفي في مقابلة القياس الجلي, وسمي كذلك إشارة إلى أنه أولى في العمل به كما قال البزدوي: ولقد كان لإمام أبو حنيفة رضي الله عنه بارعاً في الإستحسان حتى إن تلميذه محمد بن الحسن قال: إن أصحابه كانوا ينازعونه المقاييس. فإذا قال: استحسن لم يلحق به أحد. ولقد كان الأخذ بالإستحسان مثار ضجة العلماء, فأقره المالكية والحنابلة حتى قال الإمام مالك رضي الله عنه: الإستحسان تسعة أعشار العلم.

والظاهر عن إطلاق لفظ الاستحسان أثار عند بعض العلماء معني التشريع بالهوي فأنكروه, ولم يتبينوا حقيقته عند القائلين به, ولم يدر كوا مرادهم منه, فظنوه من التشريع بلا دليل فشنوا عليه الغارة وقالو فيه ماقاله.. فالاستحسان باهوي وبلا دليل ليس بدليل بلا خلاف بين العلماء..وعلي هذا النوع من إستحسان- إذا أمكن تسميته إستحسانا- يحمل إنكار المنكرين, لأن إلاستحسان عند القائلين به لا يعدو – كما عرفنا حقيقته – أن يكون ترجيحا لدليل علي دليل, و مثل هذا لا ينبغي أن يكون محل خلاف بين العلماء فلا يوجد في إلاستحسان ما يصلح محلا للنزع.

الاستحسان بذلك التعريف حجة باتفاق العلماء ؛ حيث لم ينكره أحد ، وإن اختلف في تسميته استحساناً ، فبعضهم سمَّاه بهذا الاسم ، وبعضهم لم يسمه بذلك ، وهو في الجملة راجع إلى العمل بالدليل القوي الذي ترجح بذلك على ما هو أضعف منه ، وهذا لا نزاع فيه. ومع هذا قنحن نؤثر أن نسمي الحكم الثابت إستحسانا بالنص حكما ثابتا بالنص لا بالستحسان, ولكن الحنيفة اصطلحوا علي تسميته إستحسانا ولا مشاحة في الاصطلاح. واستدل القائلون بالاستحسان بالأدلة :

الأول- إن في الأخذ به ترك العسري إلي اليسري و هو أصل في الدين, قال الله تعالي (( يرد الله بكم اليسري و لا يرد بكم العسري )) و قد بستأنس بقوله سبحانه (( واتبعوا أحسن ما أنزل اليكم )) وقوله ابن مسعود رضي الله عنه (( و ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ))

الثاني- إن ثبوته كان بالأدلة المنفق عليها بأحسا حجة, لأنه إما أن يثبت بالأثر كالسلم والاجارة و عدم فساد صوم من أكل ناسيا, و إما بالاجماع كالاستصناع, و إما بالضرورة كطهارة الحيض والآبار بعد تنجسها, و إما بالقياس الخفي, وإما بالعرف كرد الأيمان إلي العرف, و إما بالمصلحة كتضمين الاجير المشترك.

5.0 الخلاصة
أن الإستحسان عند الحنفية ليس كما ظنه معارضونهم من أنه مجرد قول بلا دليل, أو قول بالهوى والتشهى. بل قياس يعلرض قياساً أخر, وقد يرجح عليه بقوة الأثر. وقد يرد الإستحسان في قول الحنفية بمعنى آخر وهو: كل الدليل يخالف القياس الظاهر كنص السلم فإنه يخالف قاعدة معروفة وهي بطلان بيع المعدوم, إذ إن المسلم فيه معدوم وكالإجماع على صحة الإستصناع.
ان انكار الشافعي للإستحسان إنما هو المبنى على محص العقل ومجرد القول بالرأي والتشهي من غير اعتماد على الدليل شرعي. والواقع الخلاف كما نبحث هو رحمة لأنه لمصلحة الناس. والله أعلم.



6.0 المراجع

عبدالكريم زيدان. الوجيز في أصول الفقه. دارالتوزيع والنشر الإسلامية. بغداد. 1993

القرنشوى, عبدالجليل. الموجز في أصول الفقه. حقوق الطبع محفوظة للمؤلفين. جامعة الأزهر. مصر. 1963

السرخسى, أبو سهل. أصول السرخسى. دار القلم. كويت. جزء الثاني. 1977.

الزحيلى, وهبة. الوسيط في أصول الفقه الإسلامي. المطبعة العلمية. دمشق. 1969م

محمد أبو زهرة. أصول الفقه. دارالفكر العربي. قاهرة. مصر. 1958

السرخسى , أبو سهل. المبسوط. مطبعة السعادات. مصر. جزء 10. 1321ه

الشيرازي, أبي إسحاق إبراهيم بن عليّ. اللمع في أصول الفقه. دارالكلم الطيّب. دمشق. 1995م

بدران أبو العينين بدران. أصول الفقه. دار المعارف. الإسكندرية. مصر. 1975م

الشاطبي. الموافقات أصول الشريعة. دار المعرفة. بيروت. 1975م

النملة,عبدالكريم بن علي. الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقاتها على المذهب الراجح. طَبعة مكتبة الرّشد, 1424 ﻫ - 2003 م

رملى . مقارنة مذاهب في الأصول. كايا مديا فراتاما. إندونيسيا. 1999م

الشافعي, محمد بن إدريس. الرسالة. دار العلوم, دمشق.1978م

عبد الوهاب حلف. مصادر التشريع الإسلامى فيما لا نصّ فيه. دار القلم. كويت. 1972م
Catat Ulasan