DONATE

Isnin, 15 Jun 2009

بيع العينة والتورق



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فالأصل في المعاملات الإباحة إلا ما ورد الدليل بتحريمه، ولكن ثمة معاملات قد تشتبه على بعض الناس هل هي مباحة أو محرمة؟ ومن هذه المعاملات بيع العينة، وبيع ما يسمى بالتورق.
أولاً: بيع العينة: وذلك: "أن يبيع سلعة بثمن معلوم إلى أجل، ثم يشتريها من المشتري بأقل ليبقى الكثير في ذمته"1.

وقد نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الصورة؛ لأنها ربا، وإن كان في صورة بيع وشراء، وذلك أن الإنسان المحتاج إلى النقود يشتري سلعة بثمن معين إلى أجل، ثم يبيعها ممن اشتراها منه بثمن حال أقل، فيكون الفرق هو فائدة المبلغ الذي أخذه عاجلاً.
وهذا البيع حرام، ويقع باطلاً عند بعض الفقهاء فقد روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله؛ أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم)2.

كما أن هذه المسألة اختلف فيها العلماء، فذهب الأئمة الثلاثة (أبو حنيفة، ومالك، وأحمد) وأتباعهم إلى حرمتها؛ لما أخرجه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذُلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم).

وكذلك ما رواه أحمد أنَّ أم ولد زيد بن أرقم أخبرت عائشة - رضي الله عنها -: أنها باعت غلاماً من زيد بثمانمائة إلى العطاء، ثم اشترته منه بستمائة درهم، فقالت لها عائشة: بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت، أبلغي زيداً بن أرقم أنه قد بطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يتوب".

والظاهر أنها لا تقول مثل هذا باجتهاد منها؛ لأن هذا التغليظ لا يكون إلا بتوقيف من النبي - صلى الله عليه وسلم

-.
وذهب الشافعي إلى جواز بيع العينة مستدلاً بعموم الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي سعيد، وأبى هريرة - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلاً على خيبر، فجاء بتمر جنيب طيب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أكل تمر خيبر هكذا؟) فقال: "لا واللّه، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة"، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا تَفْعَلْ، بع الجَمعَ "التمر الرديء"، ثم ابتعْ بالدراهم جنيباً)، فعموم هذا الحديث يدل على أنه لا بأس أن يكون الذي اشترى منه التمر الرديء بدراهمه هو الذي باع عليه التمر الطيب، فعادت دراهمه إليه؛ لأنه لم يفعل.

وهناك قاعدة عند الأصوليين تقول: "ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في
المقال"3.

ثانياً: بيع التورق:

وصورته: أن يشتري المشتري سلعة ليبيعها إلى آخر غير بائعها الأول للحصول على النقد، مثال ذلك أن يشتري سلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها لآخر نقداً ليحصل على ثمنها الحال لرغبته في الحصول على النقد.

فإن باعها إلى نفس بائعها الأول فهي العينة الممنوعة، أما إن باعها إلى طرف ثالث فهي التورق.
وقد اختلف العلماء في حكم بيع التورق، فذهب جمهور الفقهاء إلى جواز شراء الرجل سلعة بالأجل،
وبيعها إلى غير بائعها نقداً، وغرضه الحصول على النقود.
واستدلوا على جواز ذلك بالكتاب والسنة والقياس؛ أما الكتاب فقوله - تعالى-: وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ سورة البقرة(275) إذ يدل ذلك على إباحة كل بيع إلا ما دل دليل معتبر على حرمته، ولا دليل هنا على حرمة التورق، وقد أثبت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أن الأصل في العقود والشروط الإباحة إلا ما دل الدليل على حرمته.
ومن السنة على الأحاديث التي تدل على جواز البيع، وأما القياس فلأن البيع توافرت فيه أركانه وشروطه، وخلا من المفسدات كالغرر والجهالة والربا ونحو ذلك.
وقد أفتى بجواز بيع التورق العلامة ابن السعدي يقول في أحد كتبه: "لأن المشترى لم يبعها على البائع عليه، وعموم النصوص تدل على جوازها، وكذلك المعنى لأنه لا فرق بين أن يشتريها ليستعملها في أكل أو شرب، أو استعمال، أو يشتريها لينتفع بثمنها، وليس فيها تحيل على الربا بوجه من الوجوه، مع دعاء الحاجة إليها، وما دعت إليها الحاجة، وليس فيه محذور شرعي؛ لم يحرمه الشارع على العباد".

وممن أفتى بجواز هذا البيع مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورة مؤتمره الخامسة عشرة "رجب 1419هـ" حيث قرر جواز التورق، وكذا هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية واللجنة الدائمة فيها، كما أفتى بجوازه المفتى العام للمملكة العربية السعودية السابق الشيخ عبدالعزيز ابن باز - رحمه الله - "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (ج19 ص93)، والمفتي العام الأسبق سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (فتوى رقم 1569) المنشورة في المجلد السابع من فتاوى ورسائل).

وذهب أحمد في رواية عنه إلى عدم جوازه، وممن ذهب إلى عدم جواز التورق ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وقد ذكر ابن تيمية - رحمه الله - لقوله هذا دليلين الدليل الأول: أنه من بيع المضطر، وقد ورد النهي عن بيع المضطر، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع المضطر كما جاء في الحديث الذي أخرجه أبو داوود عن شيخ من بني تميم قال: خطبنا علي - رضي الله عنه - قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع المضطر، وبيع الغرر، وبيع الثمرة قبل أن تدرك".
4
ولكن هذا الحديث لا حجة فيه؛ لأنه حديث ضعيف، فقد ضعفه الألباني في ضعيف أبي داود رقم(731)، وعليه فسقط الاستدلال به على عدم جواز مسألة التورق.
الدليل الثاني الذي استدل به ابن تيمية على عدم جواز التورق: أن التورق حيلة على الربا، يقول ابن القيم - رحمه الله -: "وكان شيخنا - أي ابن تيمية - يمنع من مسألة التورق، وروجع فيه مراراً وأنا حاضر فلم يرخص فيها، وقال: المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها، والخسارة فيها..."5، فابن تيمية - رحمه الله - يرى أنه حيلة على الربا، وهو ربما كان كذلك في زمن ابن تيمية، ولكن هذا لا ينطبق على التورق المصرفي الموجود في زماننا، ذلك أن المتورق ليس نيته ارتكاب الحرام، بل نيته اجتناب الحرام، كيف لا والحرام مشرعة أبوابه أمامه، وهو أقل كلفة ونفقة، ثم يتركه ويأخذ بالتورق لاجتناب الحرام.

ومع هذا كله يبقى ثمة عدة اعتراض وهو أنه ربما يقال: إن قصد المشتري إنما هو الحصول على النقود ليس إلا.
فيجاب عن ذلك: بأنه لا تأثير له على صحة المعاملة، إذ أن التورق كسائر العقود الأخرى المطلوب فيه تحقق صورته الشرعية، أما نية العاقد فلا أثر لها، فالنوايا لا يعلمها إلا الله - عز وجل -، فيحرم البيع إذا لم تتحقق الصورة الشرعية ويجوز بتحققها، ويشهد لذلك ما ورد في صحيحي البخاري ومسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلاً على خيبر، فجاءه بتمر جنيب "والجنيب هو الطيب، والجمع هو الرديء" فقال له: (أكل تمر خيبر هكذا؟) قال: يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال له - عليه الصلاة والسلام -: (لا تفعل، بع الجمع، ثم ابتع بالدراهم جنيباً)، إذ أن مبادلة التمر بالتمر يشترط فيها التساوي؛ لأن التمر من الأموال الربوية التي وردت في حديث الأصناف الستة، فانظر كيف أن تغير صورة العقد نقله من الحرمة إلى الحل، مع أن الغرض والقصد في كلا الحالين واحد.

مسائل متفرقة في بيع التورق:

المسألة الأولى: طريقة تنفيذ عمليات التورق في البنوك:
يقوم البنك بشراء كمية من السلع لنفسه (جملة) ثم يبيعها إلى عملائه (قطاعي)، وعندما يتقدم العميل إلى البنك فإنه يطلب شراء كمية محددة من سلعة يملكها البنك وقت البيع، وموجودة في مستودعات مخصصة لتلك السلعة.
وهو بيع على الوصف، ومعلوم أنه يجوز بيع السلعة على الوصف، أو على رؤية متقدمة، فإذا قبضها المشتري وجاءت على خلاف الوصف كان بالخيار إن شاء قبل وإن شاء رد، وإن جاءت على الوصف لزم البيع.

فإذا قبل البنك الطلب باعه كمية من السلعة المتفق على بيعاً مؤجلاً بثمن مقسط، ولما كانت السلع موجودة في مستودعات في أماكن متفرقة لزم أن ينص في عقد البيع على اشتراط مكان وفاء البنك بالسلعة للعميل بمجرد حصول الإيجاب والقبول بين البنك والعميل تصبح السلعة ملكاً لذلك العميل المشتري، وهي سلعة معينة وليست "قفيزة من صبره"، فإذا كانت في مستودعات منظمة كان لها رقم تسلسلي بحيث يتعين في عقد الشراء ما وقع عليه البيع، ويجوز له التصرف فيها بالبيع إلى طرف ثالث، وهو عندئذٍ مخير إن شاء احتفظ بها في ملكه ودفع مصاريف التخزين لصاحب المستودع، وإن شاء قبضها في مكان الوفاء بحسب ما اشترط البائع في العقد، وهو موقع المستودع وتصرف بها.
وإذا رغب أن يوكل البنك بأن يبيعها على طرف ثالث بالسعر الجاري في السوق، وأن يقبض ثمنها نيابة عنه، وأن يودع ذلك الثمن في حسابه؛ فله أن يفعل ذلك لأن مثل هذه الوكالة جائز لا بأس به.

المسألة الثانية: هل الوكالة بالبيع في التورق جائزة؟
الجواب أن توكيل العميل البنك ببيع البضاعة المملوكة له إلى طرف ثالث أمر جائز على أصل جواز التوكيل من جائز التصرف، والقول بجواز هذه الوكالة ليس جديداً، بل ورد في فتوى لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ المفتي العام الأسبق للمملكة العربية السعودية، حيث سئل - رحمه الله - عن رجل اشترى من تاجر سلعة بالأجل يريد التورق ووكله ببيعها في الحراج، وقبض الثمن نيابة عنه، فأجاز ذلك - رحمه الله -، وقد ورد نص الفتوى المذكورة في المجلد السابع من فتاوى ورسائل لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ص64).
نخلص من كل ذلك أن التورق إذا جرى بالطريقة الصحيحة فهو وسيلة لحصول من يحتاج إلى النقد على السيولة دون الوقوع في الربا المحرم، إذ التورق داخل في باب البيع وليس القرض.

المسألة الثالثة: التورق المصرفي:
لإتمام عملية التورق المصرفية هناك متطلبات شرعية وأخرى مالية (متعلقة بالمخاطر):
أولاً: المتطلبات الشرعية:

1- يجب أن يشتري البنك سلعة معينة، موجودة عند البيع في مستودعات بائعها أو مستودعات لأطراف أخرى يمكن التحقق من وجودها فيه، ويمكن أن يكون الشراء على الوصف أي وصف سلعة معينة، ومن الأفضل أن تحصل المعاينة المباشرة عند الشراء.
2- يمكن أن يتم الشراء بالنقد أو الأجل، ولا يؤثر إن كان بالنقد أن ينقد البنك الثمن إلى المشتري، أو يتأخر في ذلك ما دام أن الثمن كان معلوماً عند انعقاد البيع.
3- ليس هناك ما يمنع من شراء سلعة موصوفة في الذمة أي غير معينة، ولكن في هذه الحالة لابد من دفع الثمن كاملاً بدون تأجيل، كما لا يمكن للبنك بيعها إلى عميله المتورق إلا بعد القبض.
4- فإذا وقع شراء سلعة معينة من قبل البنك يمكن له عندئذٍ بيعها على عملية المتورق بالأجل مع الزيادة المتفق عليها من أجل الأجل.
5- وعندما يبيع البنك على العميل يجب أن يمكنه من قبض السلعة وتسلمها بنفسه من المستودع إذا رغب، أو أن يبيعها العميل بنفسه إلى طرف ثالث، كما أن له توكيل البنك ببيعها نيابة عنه، ويجب أن لا يكون البيع إلى العميل مشروطاً بتوكيل العميل للبنك، بل يكون البيع والوكالة مستقلان عن بعضهما البعض.
6- لا مانع من توكيل العميل البنك لبيع تلك السلعة، إلا إن الوكالة يجب أن تقع عند أو بعد توقيع عقد الشراء من قبل العميل من البنك.
7- وإذا كان البنك قد اشترى كمية كبيرة من سلعة ثم باع منها أجزاء إلى عدد من العملاء؛ فإنه في كل مرة يقع البيع يجب أن يقع على جزء معين من السلعة وليس على مشاع، إذ لا يجوز للعميل أصالة أو وكالة أن يبيع إلى طرف ثالث إلا بعد أن يتعين المبيع.
8- إذا كانت الكمية الموجودة في المستودع ذات أرقام متسلسلة (على صفة سائل أو نحو ذلك) لزم أن يقع البيع على وحدات معينة بالرقم التسلسلي.


ثانياً: المتطلبات المالية:

لتقليل المخاطر يجب على البنك أن يختار سلعة تتوافر على الصفات التالية:
1- أن تكون ذات أسعار قليلة التذبذب، وأن لا تكون مما يتعرض للفساد بمرور الوقت أو يحتاج إلى تكاليف تخزين عالية.
2- يجب أن يدخل البنك وسيطاً بين باعة ومشترين ضمن إجراءات مستقرة بينهما فيأتي إلى شراء تنتج سلعة مستوفية للوصف الوارد في رقم (1)، ويتأكد من وجود طلب مستقر على سلعتها من قبل عدد قليل من المشترين.
3- جميع الشركات المنتجة للمواد الأساسية تقوم بالبيع لموزعين ما على البنك عندئذٍ إلا أن يدخل وسيطاً فيشتري من المنتج ثم يبيع على عملائه، ثم بعد ذلك يبيع إلى الموزعين وكالة عن عملائه.
4- حتى يمكن للبنك الدخول في هذه العمليات المستقرة بين المنتج والموزع لابد من وجود حافز

لكليهما:

أ- أما من ناحية المنتج فالذي يظهر أن أكثر المنتجين يمنحون الموزعين آجلاً (شهر أو أكثر أو أقل) فإذا عرض البنك على المنتج الشراء مع الدفع الفوري فهذا سيولد حافزاً فورياً يدفعه إلى الدخول مع البنك6.
هذه مسائل مهمة تتعلق ببيع العينة والتورق، ذكرت هنا ليكون المسلم على بينة من أمره في بيعه وشرائه، ومعاملاته للناس.
والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


________________________________________
1 سبل السلام(1/105).
2 أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني وابن القطان وصححه، وقال الألباني: "صحيح"؛ كما في صحيح الجامع،رقم (675).
3 يراجع تيسير العلام شرح عمدة الأحكام، للشيخ عبد الله البسام.
4 ضعف هذا الحديث الألباني وغيره.
5 إعلام الموقعين (3/170).
6 بتصرف من موقع إسلامي إف إن. على هذا الرابط:http://www.islamifn.com/maaeer/tawrug.htm
Catat Ulasan