DONATE

Isnin, 16 Februari 2009

الموضوع : الامور بمقاصدها



المقدمه

الحمد لله رب العالمين حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على رسول الرحمة ومعلم الأمة محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد,
كما عرفنا ان قاعدة " الأمور بمقاصدها "هى احدى القواعد الخمس المحكمة الأساسية من قواعد الفقه الاسلامى. وهى من أهم القواعد وأعمقها جذورا فى الفقه الاسلامى, وقد أولاها الفقهاء عناية بالغة , فافاضوا فى شرحها والتفريع عليها , لان شطرا كبيرا من الاحكام الشرعية تدور حول هذه القاعدة. وقد اتفق الفقهاء عليها ، كما حكى ذلك السيوطي وابن نجيم رحمهما الله في: "الأشباه" لهما.

تعريف الامور بمقاصدها

الأمور جمع أمر, و الامر معناه الفعل وهو عمل الجوارح ( عبد العزيز محمد عزام 2005: 81 ) وهو لفظ عام للأفعال والأقوال كلها , (الزرقا , الشيخ أحمد بن الشيخ محمد . شرح القواعد الفقهية. دار النشر / دار القلم ) ومنه قوله تعالى : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ (هود 11: 123) , وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (هود 11:98) , اي ما هو عليه من قول او فعل (الراغب. المفردات فى غريب القرأن, كتاب الالف : 24) والمقاصد: واحدها مقصد، وهو بمعنى النية والعزم، تقول: قصدت كذا إذا عزمتَ ونويت. فهو اعتقاد القلب فعل الشئ وعزمه عليه, من غير تردد ( الزحيلى 1996 : 86 ).

هذه القاعدة معناها ان الحكم الذى يترتب على أمر يكون على مقتضى , ما هو المقصود من ذلك الأمر, اى أن أفعال المكلف وتصرفاته قولية او فعلية تختلف باختلاف مقصود الشخص من وراء هذه الافعال والتصرفات. فان قصد الشخص بفعلها او تركها طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم أثبت عليها, وان قصد معصية الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عوقب عليها, ومثال ذلك أن الله تعالى قد حرم أكل الميتة فى غير حال الضرورة. فاذا ترك المكلف الأكل لأمر خارج عن النهى الوارد عن الشرع بتركها بأن نفسه تعافها او لاستقذارها فلا ثواب له , واما اذا كان الترك امتثالا لأمر الله تعالى أثيب على هذا الترك. (عبد العزيز محمد عزام 2005: 81)

وقد قرر كثير من العلماء ان هذه القاعدة تمثل قاعدة النية فى جملة معانيها , ولذالك أدرجوا قواعد عديدة تتعلق بالنية تحت هذه القاعدة مثل قولهم : شرعت النية لتمييز العبادات عن العادات , ولتمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض , وما تميز بنفسه لا يحتاج الى النية وما سواها من المباحث تفيض بذكرها كتب القواعد.

دليل هذه القاعده

الأصل لهذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذى رواه البخارى وغيره, عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال : سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول : إِنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إِلى الله ورسوله ، فهجرته إِلى الله ورسوله. ومن كانت هجرته إِلى دنيا يُصِيبها ، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إِلى ما هاجر إِليه . ( كتاب النية والإخلاص :9163)

هذا الحديث يدل على عدة أمور, منها:

أ ـ لا يكون العمل شرعياً يتعلق به ثواب وعقاب إلا بالنية.

ب ـ تعيين المنوي وتمييزه عن غيره شرط في النية، فلا يكفي أن ينوي الصلاة، بل لابد باتفاق العلماء من تعيينها بصلاة الظهر أو العصر أو الصبح مثلاً.

جـ ـ من نوى عملاً صالحاً، فمنعه من تنفيذه عذر قاهر كالمرض أو الوفاة، فإنه يثاب عليه؛ لأن من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها، لم تكتب له سيئة، قال السيوطي: من عزم على المعصية ولم يفعلها أو لم يتلفظ بها لا يأثم ، لقوله صلّى الله عليه وسلم فيما يرويه الأئمة الستة عن أبي هريرة: «إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدّثت بها أنفسها، مالم تتكلم به أو تعمل به» .

د ـ الإخلاص في العبادة والأعمال الشرعية هو الأساس في تحصيل الأجر والثواب في الآخرة, والفلاح والنجاح في الدنيا ، والدليل تصريح الزيلعي بأن المصلي يحتاج إلى نية الإخلاص فيها.

هـ ـ يصبح كل عمل نافع أو مباح أو ترك بالنية الطيبة وقصد امتثال الأمر الإلهي عبادة مثوباً عليها عند الله تعالى.

و ـ إذا كانت نية الفعل لإرضاء الناس أو الشهرة والسمعة أو لتحقيق نفع دنيوي مثل مهاجر أم قيس، فلا ثواب للفاعل في الآخرة.

وعند الشافعية ومن وافقهم, هذا الحديث يدل على ان تصرفات المكلفين لا يعتد بها شرعا الا بالنية , فاذا صحت النية كان العمل صحيحا, وان فسدت كان العمل فاسدا , واما عند الحنفية فيقولون ان كمال الاعمال بالنية.

حقيقة النية

النية لغة قصد الشئ وعزم القلب عليه, قال الازهرى : يقال نواك الله أى حفظك. وتقول العرب: نواك الله اى صحبك فى سفرك وحفظك (الزحيلى 1996 : 86) وقال الجوهري في "الصحاح": نويت نية ونواة إذا عزمت، فالنية في اللغة العربية هي العزم على الشيء، وهذا الذي يقصده جمهور الفقهاء الذين تكلمو في مسائل النية.

وأما في الاصطلاح: فهي مرادفة للإخلاص؛ إذ بينهما عموم وخصوص مطلق, فالنية أعم مطلقاً من الإخلاص, فتشمل نية الرياء والشرك والإخلاص وغير ذالك. والإخلاص أخص من النية؛ لأن معناها إخلاص النية من شوائب الشرك والرياء، وإفراد الله بالقصد والإرادة. وبناء عليه إن كل فعل صدر من عاقل متيقظ مختار لايخلو عن نية، سواء أكان من قبيل العبادات أم من قبيل العادات. وذلك الفعل هو متعلَّق الأحكام الشرعية التكليفية من الإيجاب والتحريم، والندب والكراهة والإباحة. وما خلا عن النية فهو فعل غافل، فهو لاغٍ، لايتعلق به حكم شرعي. فإذا صدر الفعل من غير عاقل متيقظ، بأن كان من مجنون أو ناسٍ أو مخطئ أو مكرَه، فإنه لاغٍ، لايتعلق به حكم تكليفي مما ذكر، لعدم وجود النية والقصد والإرادة فيه، ولايعتبر شرعاً، ولايتعلق به طلب ولاتخيير.

وأما إذا كان الفعل من الأفعال العادية كالأكل والشرب والقيام والقعود والبطش والمشي والنوم ونحوها صادراً من العاقل المتيقظ بدون نية، فحكمه الإباحة، إن لم يقترن بمايوجب حظره أو طلبه، ويكون معتبراً شرعاً.

وقد حدد الفقهاء أن النية لها شروط صحة , وهى:

أولها: الإسلام، وضده الكفر بأنواعه وصوره؛ إذ لا يتصور نية التقرب والإخلاص من غير مسلم، إذ سائر الأوامر يُشْتَرط فيها النية والإخلاص.

ثانيها: التمييز، وضده أمران:

أولا: ذهاب العقل للمجنون والمعتوه.
ثانياً: الصبي غير المُمَيِّز، وهو من قَلَّ إدراكه للأشياء، فلا يميز بين أصنافها.
وحَدَّ الحنابلة التمييز بالسابعة، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يأمروا صبيانهم لسبع على الصلاة، وذالك لتمييزهم، فكان حَدّاً.

ثالثها: أن لا يجهل المنوي، وذلك بأن يكون معلوما عند الناوي؛ حيث لا يتصور قصد الشيء إلا بعد العلم به.

رابعها: أن لا يحدث مناف بين النية ومنويِّها، كالردة بعد إيمان، فلو نوى المسلم المميز الصلاة، لكن ارتد قبل إيقاعها؛ فإن عمله فاسد.

وخلاصة الكلام في بيان حقيقة النية تظهر فيما يأتي: قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: اعلم أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة، وإن كان قد فرق بين هذه الألفاظ بما ليس هذا موضع ذكره. والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين: أحدهما ـ تمييز العبادات بعضها عن بعض، كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلاً، وتمييز رمضان من صيام غيره. أو تمييز العبادات من العادات، كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظيف ونحو ذلك، وهذه النية هي التي توجد كثيراً في كلام الفقهاء في كتبهم.

والمعنى الثاني ـ بمعنى تمييز المقصود بالعمل، وهل هو لله وحده لا شريك له، أو لله وغيره. وهذه هي النية التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم على الإخلاص وتوابعه، وهي التي توجد كثيراً في كلام السلف المتقدمين. وقد صنف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنفاً سماه (كتاب الإخلاص والنية) وإنما أراد هذه النية، وهي النية التي يتكرر ذكرها في كلام النبي صلّى الله عليه وسلم تارة بلفظ (النية) وتارة بلفظ ( الإرادة ) وتارة بلفظ مقارب. وقد جاء ذكرها كثيراً في كتاب الله عز وجل بغير لفظ النية أيضاً من الألفاظ المقاربة.

مجال التطبيق

إن هذه القاعدة تجري في كثير من الأبواب الفقهية وهى: العبادات, والمعاوضات والتمليكات المالية , والإبراء , وتجري في الوكالات , وإحراز المباحات , والضمانات والأمانات, وكذالك فى العقوبات.

وفى مجال العبادات تتطلب العبادة مع نية فعلها تمييزها عن غيرها، سواء أكان ذلك الغير عبادة من نوعها أو جنسها أم غير عبادة أي فعلاً عادياً؛ لأن المقصود بالنية في العبادة تمييزها عن العادات، أو تمييز رتب العبادة عن بعضها.

مثلاً الوضوء يكون عبادة إذا قصد به التوصل للعبادة كالصلاة والطواف ونحوهما مما يفتقر إلى ذلك، ويكون عادة للنظافة والتبرد ونحوهما، فإذا نوى استباحة الصلاة باستعمال الماء في أعضاء الوضوء، أو فرض الغسل، صح الوضوء.

والصلاة، وإن لم تكن من جنس العادات، بل هي محض عبادة، فإنها تتنوع إلى نوعين: فرض وسنة، والفرض: عيني وكفائي، الأول: الصلوات الخمس، والثاني: الجنازة. والسنة: رواتب تابعة للفرائض، ووتر وعيدان وكسوفان واستسقاء وتراويح، ونفل مطلق. فالفرض لابد مع نية فعله من ملاحظة تعينه باسمه، ليتميز عن باقي الفروض، ومن ملاحظة فرضيته ليتميز عما عداه من السنن، ولم يشترط بعض الفقهاء التعرض في نيته للفرضية، اكتفاء بالتعيين بالاسم، لوضعه للفرض. والرواتب والسنن المؤكدة غير النفل المطلق: لابد مع نية فعلها من ملاحظة تعينها بإضافة: كراتبة كذا، أو صلاة عيد كذا، أو صلاة كسوف.

وأما النفل المطلق: فيكفي فيه نية الفعل، لتميزه بذاته عن غيره لعدم تقيده بوقت وإعطاء المال للغير من غير مقابل: قد يكون زكاة، وصدقة تطوع، وهدية، وهبة، فلا بد مع نية الإعطاء من التعيين بالوصف الشرعي وهو الزكاة مثلاً، ليتميز عن الإعطاء لغيرها، ولا يحتاج لنية الفرض؛ لأن لفظ الزكاة موضوع شرعاً للفرض.

والإمساك عن المفطرات قد يكون لأجل الصيام، وقد يكون لأجل الحمية والتداوي، فلا بد مع نية الإمساك من ملاحظة تعينه بكونه صياماً ليتميز عن غيره. ثم إن الصيام يكون فرضاً وسنة كالصلاة، فلا بد مع نية الصيام من ملاحظة تعينه بكونه عن رمضان إن وقع في غير شهره، أو قضاء عنه، أو كفارة يمين أو ظهار أو قتل أو جماع في رمضان أو فدية تطيب في الحج مثلاً. ولا يحتاج في ذلك إلى ملاحظة الفرض؛ لأن هذه الأمور لا تكون إلا فرضاً، فهو متعين بذاته لا يشتبه بغيره من السنن.

وقصد الحرم قد يكون للإحرام، وقد يكون لغيره من العادات كالتجارة أو غيرها، فلابد مع قصده من ملاحظة كونه للإحرام، إما بالحج إن كان الوقت قابلاً له وذلك في أشهر الحج، أو بالعمرة، أو مطلقاً، ويصرف لما شاء منهما، إن كان الوقت قابلاً للحج، وإلا تعين للعمرة. ولا يشترط نية الفرضية لانصراف الإحرام إليه، حيث لم يسبق له حج ولا عمرة.

أما المعاوضات والتمليكات المالية فكالبيع والشراء والإجارة والصلح والهبة فإنها كلها عند إطلاقها - أي إذا لم يقترن بها ما يقصد به إخراجها عن إفادة ما وضعت له - تفيد حكمها وهو الأثر المترتب عليها من التمليك والتملك لكن إذا اقترن بها ما يخرجها عن إفادة هذا الحكم وذلك كإرادة النكاح بها وكالهزل والاستهزاء والمواضعة والتلجئة فإنه يسلبها إفادة حكمها المذكور فإنه إذا أريد بها النكاح كانت نكاحاً ولكن يشترط في الإجارة والصلح أن تكون المرأة بدلاً ليكون نكاحاً فلو كانت في الإجارة معقوداً عليها لا تكون نكاحاً وفي الصلح لو كانت مصالحاً عنها بأن ادعى عليها النكاح فأنكرت ثم صالحت المدعي على مال دفعته له ليكف صح وكان خلعاً , وكذلك لو باع إنسان أو شرى وهو هازل فإنه لا يترتب على عقده تمليك ولا تملك

وأما الإبراء فكما لو قال الطالب للكفيل أو قال المحال للمحتال عليه برئت من المال الذي كفلت به أو المال الذي أحلت به عليك أو قال برئت إلي منه وكان الطلب أو المحال حاضراً فإنه يرجع إليه في البيان لما قصده من هذا اللفظ فإن كان قصد براءة القبض والاستيفاء منه كان للكفيل أن يرجع على المكفول عنه لو الكفالة بالأمر وكان للمحال عليه أن يرجع على المحيل لو لم يكن للمحيل دين عليه وإن كان قصد من ذلك براءة الإسقاط فلا رجوع لواحد منهما أما إذا كان الطالب أو المحال غير حاضر ففي ( برئت إلي ) لا نزاع في أنه يحمل على براءة الاستيفاء وكذلك في برئت عند أبي يوسف فإنه جعله كالأول وهو المرجح .

وأما الوكالات فمنها ما لو وكل إنسان غيره بشراء فرس معين أو نحوه فاشترى الوكيل فرساً ففيه تفصيل إن كان نوى شراءه للموكل أو أضاف العقد إلى دراهم الموكل يقع الشراء للموكل وإن نوى الشراء لنفسه أو أضاف العقد إلى دراهم نفسه يقع الشراء لنفسه وكذا لو أضاف العقد إلى دراهم مطلقة فإنه إذا نوى بها دراهم الموكل يقع الشراء للموكل وإن نوى بها دراهم نفسه يقع لنفسه وإن تكاذبا في النية يحكم النقد فيحكم بالفرس لمن وقع نقد الثمن من ماله لأن في النقد من أحد المالين دلالة ظاهرة على أنه أريد الشراء لصاحبه ( والمسألة مبسوطة في فصل الوكالة بالشراء من الهداية )

وأما الإحرازات وهي استملاك الأشياء المباحة فإن النية والقصد شرط في إفادتها الملك فلو وضع إنسان وعاءً في مكان فاجتمع فيه ماء المطر ينظر فإن كان وضعه خصيصاً لجمع الماء يكون ما اجتمع فيه ملكه وإن وضعه بغير هذا القصد فما اجتمع فيه لا يكون ملكه ولغيره حينئذٍ أن يتملكه بالأخذ لأن الحكم لا يضاف إلى لسبب الصالح إلا بالقصد , وكذلك الصيد فلو وقع الصيد في شبكة إنسان أو حفرة من أرضه ينظر فإن كان نشر الشبكة أو حفر الحفرة لأجل الاصطياد بهما فإن الصيد ملكه وليس لأحد أن يأخذه وإن كان نشر الشبكة لتجفيفها مثلاً أو حفر الحفرة لا لأجل الاصطياد فإنه لا يملكه ولغيره أن يستملكه بالأخذ .

وأما الضمانات والأمانات فمسائلها كثيرة منها اللقطة فإن التقطها ملتقط بنية حفظها لمالكها كانت أمانة لا تضمن إلا بالتعدي وإن التقطها بنية أخذها لنفسه كان في حكم الغاصب فيضمن إذا تلفت في يده بأي صورة كان تلفها والقول للملتقط بيمينه في النية لو اختلفا فيهاوكذا لو التقطها ثم ردها لمكانها فإن كان التقطها للتعريف لم يضمن بردها لمكانها سواء ردها قبل أن يذهب بها أو بعده وسواء خاف بإعادتها هلاكها أولا وإن كان التقطها لنفسه لا يبرأ بإعادتها لمكانها ما لم يردها لمالكها .

ومنها الوديعة فإن المودع إذا استعملها ثم تركها بنية العود إلى استعمالها لا يبرأ عن ضمانها لأن تعديه باقٍ وإن كان تركها بنية عدم العود إلى استعمالها يبرأ ولكن لا يصدق في ذلك إلا ببينة لأنه أقر بموجب الضمان ثم ادعى البراءة , وهذا إذا كان تعديه عليها بغير الحجز أو المنع عن المالك فإن كان بأحد هذين فإنه لا يبرأ عن الضمان إلا بالرد على المالك وإن أزال تعديه بالاعتراف بها , وكذلك كل أمين من قبل المالك إذا تعدى ثم أزال التعدي بنيته أنه لا يعود إليه فإنه يبرأ عن الضمان فلو لم يكن مسلطاً من قبل المالك أصلاً كما في مسألة الملتقط الآتية عن جامع الفصولين بحثاً أو كان مسلطاً في مدة مؤقتة وانتهت ثم تعدى ثم أزال تعديه وعاد إلى الحفظ لا يبرأ قال في جامع الفصولين لو كان مأموراً بحفظ شهر فمضى شهر ثم استعمل الوديعة ثم ترك الاستعمال وعاد إلى الحفظ لا يبرأ إذ عاد وأمر الحفظ غير قائم , ومن قبيل فرع الوديعة المذكور ما جاء في جامع الفصولين وكيل بالبيع لو خالف بأن استعمله أو دفع الثوب إلى قصار لقصره حتى صار ضامناً فلو عاد إلى الوفاق يبرأ كمودع والوكالة باقية في بيعه, واستثنوا من الأمناء ( 1 ) المستعير لأجل الانتفاع ( 2 ) والمستأجر ( 3 ) ومثلهما الأجير لو خالف ثم عاد إلى الوفاق لا يبرأ , فإنهما إذا تعديا على العين المستعارة أو المستأجرة ثم تركا التعدي بنية عدم العود إليه لا يبرآن عن الضمان إلا بالرد على المالك ( 4 ) ويزاد رابع لها ( ذكره صاحب جامع الفصولين بحثاً في الفصل الثالث والثلاثين منه حيث قال - بعد أن رمز لفتاوى القاضي ظهير وللواقعات ) أخذ لقطة ثم ضاعت منه فوجدها في يد آخر فلا خصومة بينهما بخلاف الوديعة والفرق بينهما أن للثاني ولاية أخذ اللقطة كالأول بخلاف الوديعة ثم قال عقبه أقول دل هذا على أنه لو تعدى ثم أزال التعدي ثم هلكت يضمن لأن يده ليست بيد مالك لما مر من عدم الخصومة فبتعديه ظهر أنه غاصب فلا يبرأ إلا بما يبرأ به الغاصب ولكن لم يظهر لي ما بحثه من أن الملتقط يضمن إذا هلكت بعد أن تعدى ثم أزال التعدي بل ظهر لي خلافه وذلك أن الالتقاط بقصد الرد على المالك مندوب إليه عند عدم الخوف على اللقطة وواجب عند الخوف عليها وما ذلك إلا للإذن به من المالك دلالة والإذن من المالك دلالة كالإذن الصريح ينفي الضمان كما قالوا فيما لو ذبح الراعي البعير في المرعى بعد أن مرض مرضاً لا ترجى معه حياته فإنه لا يضمن لأن الإذن من المالك يذبحه والحالة هذه حاصل عادة فإذا كان الالتقاط للمالك كان الإذن للملتقط بوضع يده حاصلاً من المالك دلالة ولذا كان مندوباً إليه وواجباً شرعاً فتكون يده يداً مأذوناً فيها وإذا كانت مأذوناً فيها فهي يد نائبة عن يد المالك فإذا تعدى ثم أزال التعدي لا يبقى غاصباً بل تعود يد النيابة عن المالك فإذا هلكت بعد ذلك لا يضمن وما نقله عن فتاوى القاضي ظهير الدين والواقعات من نفس الخصومة بين الملتقط الأول والثاني ليس معللاً بأن يد الأول ليست يد المالك كما قال حتى ينتج المطلوب بل هو معلل كما ترى بأن للثاني ولاية الأخذ كالأول إذ إن أخذ الثاني كأخذ الأول مأذون فيه دلالة فتكون يده يد نيابة كذلك فلا يترجح الأول عليه على أنه نقل في الدر المختار في كتاب اللقطة عن السراج أن الصحيح أن الملتقط الأول له أن يخاصم الملتقط الثاني في اللقطة ويأخذها منه ويستفاد منه أن ذلك عام في كل أمين كانت يده ليست يد استحفاظ من المالك كوارث المودع ومن ألقت الريح ثوباً في داره ونحوهما أما لو كان المستعير غير مستعير لينتفع بل ليرهن العين المعارة وهو المسمى بالمستعير للرهن فإن حكمه كسائر الأمناء فإذا تعدى على العين المعارة وهي في يده أي قبل أن يرهنها أو بعدما افتكها ثم أزال التعدي يبرأ عن الضمان والفرق بين المستعير لعمل نفسه والمستأجر وبين المودع ومن بمعناه كالمستعير للرهن أن المستعير المذكور أو المستأجر عامل لنفسه فكانت يده على العين يد نفسه لا يد مالكها فبعد إزالة التعدي والعود إلى الوفاق تبقى يده فلا يمكن أن يعتبر رداً على المالك لا حقيقة ولا حكماً بخلاف المودع ومن بمعناه فإن يده على العين كيد مالكها فبالعود إلى الوفاق تظهر يد المالك فيصير راداً عليه حكماً فيبرأ عن الضمان , تنبيه أطلق في بعض الكتب ضمان المستعير والمستأجر فيما إذا تعديا ثم أزالا التعدي ولم يفصل بين ما إذا انت انتهت الإعارة والإجارة أو لم تكن انتهت ونقل في الفصل الثاني والثلاثين من نور العين عن الهداية ترجيحه بعلامة الأصح وبعضهم فصل بين ما إذا كانت انتهت الإعارة والإجارة فلا يبرأ إلا بالرد على المالك وبين ما إذا كانت لم تنته فيبرأ بالعود ونقل أيضاً في نور العين عن الكافي ترجيحه بعلامة الأصح لكنه نقل في المحل المذكور قبل ذلك بأسطر أن القول بضمانها مطلقاً من غير تفصيل عليه الفتوى وكذلك حكى في الفصل الثالث والثلاثين من جامع الفصولين من بحث رد العارية وما يتعلق به أن الفتوى على أنه لا يبرأ بالعود إلى الوفاق

وأما العقوبات فكالقصاص فإنه يتوقف على أن يقصد القاتل القتل لكن الآلة المفرقة للأجزاء تقام مقام قصد القتل لأن هذا القصد مما لا يوقف عليه ودليل الشيء في الأمور الباطنة يقام مقامه ويتوقف على أن يقصد قتل نفس المقتول لا غيره فلو لم يقصد القتل أصلاً أو قصد القتل ولكن أراد غير المقتول فأصاب المقتول فإنه لا يقتص منه في شيء من ذلك بل تجب الدية سواء كان ما قصده مباحاً كما لو أراد قتل صيد أو إنسان مباح الدم فأصاب آخر محترم الدم أو كان ما قصده محظوراً كما لو أراد قتل شخص محترم الدم فأصاب آخر مثله.



المستثنى

إن هذه القاعدة لا تجري بين أمرين مباحين لا تختلف بالقصد صفتهما كما لو وقع الخلاف في كون البيع صدر هزلاً أو مواضعة مثلاً لأن اختلاف القصد بين الهزل والمواضعة لا يترتب عليه ثمرة إذ كل منهما لا يفيد تمليكاً ولا تملكاً بل تجري بين مباحين تختلف صفتهما بالقصد كما لو دار الأمر بين البيع المراد حكمه وبين بيع المواضعة ونحوه كما تقدم وتجري بين مباح ومحظور كما في فرع اللقطة المتقدم فإن التقاطها بنية حفظها لمالكها مباح وبنية أخذها لنفسه محظور كما في مسألة المودع إذا لبس ثوب الوديعة ثم نزعه فإن عدم العود إلى لبسه مطلوب والعود إليه محظور وبذلك يتضح أن ما قاله بعض شراح المجلة من أن القاعدة المذكورة لا تجري إلا في المباحات غير ظاهر.

الخاتمة

هذه القاعدة لا شك انها تتضمن موضوعات واسعة ليس من الميسور الاحاطة بها, وهي مدار عمل المسلم ومعيار ضبط الأعمال الشرعية من عبادات ومعاملات فإما أن تصحح العمل الشرعي، وإما أن تبطله وتلغي آثاره. وهي سبب الثواب الأخروي على العمل، فإما أن تكون سبباً للثواب والظفر بجنان الخلد، كنية الجهاد وحب المؤمنين وصفاء القلب، وإما أن تكون سبباً للعقاب كالحقد والحسد والبغضاء، أو الرياء والشهرة والسمعة.فمن حسنت نيته، وصلحت سريرته، حاز الفضل والفوز والخير في الدنيا والاخرة ومن ساءت نيته ، وفسدت سريرته، بالخسران والسوء ، والخذلان في الدنيا والاخرة.

المراجع

القران الكريم

الزحيلى , أ.د. وهبه .الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ.1996 . دمشق: دار الفكر

الزرقاء, احمد ين محمد بن عثمان. شرح القواعد القفهيه. بيروت: دار الغرب الاسلامى

السيوطى, جلال الدين عبدالرحمن بن ابي بكر محمد. الأشباه و النظائرفى قواعد وفروع فقه الشافعيه.1989.الطبعة الأولى . بيروت: دار الكتب العلميه

السلمى, ابو محمد عزالدين عبدالعزيز بن عبدالسلام. قواعد الاحكام فى مصالح الانام. بيروت : دار الكتب العلميه

عبد العزيز محمد عزام .القواعد الفقهية. 2005. القاهرة: دار الحديث

على أحمد الندوى. القواعد الفقهية : مفهومها , نشأتها, تطورها, دراسة مؤلفاتها, أدلتها, مهمتها, تطبيقاتها.1994. دمشق: دار الفكرالقلم
Catat Ulasan